حسن ابراهيم حسن
419
تاريخ الاسلام ( السياسى والديني والثقافي والاجتماعي )
وقد ذكر المؤرخون أن حيطان قصر الزهراء كانت من الذهب والرخام السميك الصافي ، وأن قرامده من الذهب والفضة ، ووضعت في وسط المجلس « اليتيمة » التي أهداها إياه إمبراطور القسطنطينية . وفي وسط هذا القصر صهريج عظيم مملوء بالزئبق . وفي كل من جوانب القصر ثمانية أبواب ، انعقدت في حنايا من العاج والأبنوس المرصع بالذهب والجواهر ، القائمة على ساريات من الرخام الملون والبلور الصافي . « وكانت الشمس تدخل على تلك الأبواب ، فيضرب شعاعها في صدر المجلس وحيطانه ، فيصير من ذلك نور يأخذ بالأبصار . وكان الناصر إذا أراد أن يفزع أحدا من أهل مجلسه ، أومأ إلى أحد صقالبته فيحرك ذلك الزئبق ، فيظهر في المجلس كلمعان البرق من النور ، ويأخذ بمجامع القلوب ، حتى يخيل لكل من في المجلس أن المحل قد طار بهم ما دام الزئبق يتحرك ، وقيل إن هذا المجلس كان يدور ويستقبل الشمس » « 1 » . ومن عجائب قصر الزهراء الحوض المنقوش المذهب الذي جلب من القسطنطينية ، والحوض الصغير الأخصر « 2 » المنقوش بتماثيل الإنسان . « وقالوا لا قيمة له لفرط غرابته وجماله ، وحمله من مكان إلى مكان حتى وصل إلى البحر . ونصبه الناصر في بيت المنام ، في المجلس المستشرف الشرقي المعروف بالمؤنس ، وجعل عليه اثنى عشر تمثالا من الذهب الأحمر ، مرصعة بالدر النفيس الغالي ، مما عمل بدار الصناعة بقرطبة : صورة أسد إلى جانبه صورة غزال ، إلى جانبه تمساح ، وفيما يقابله ثعبان وعقاب . وفي المجنبتين حمامة ، وشاهين ، وطاووس ، ودجاجة ، وديك . . . وكل هذا من ذهب مرصع بالجوهر النفيس ويخرج الماء من أفواهها . وكان المتولى لهذا البنيان المذكور أبنه الحكم ، لم يتكل الناصر على أمين غيره . وكان يخبز كل يوم برسم حيتان البحيرة ثمانمائة خبزة ( وقيل أكثر ) ، إلى غير ذلك مما يطول تتبعه » « 3 » . وقد أطنب المؤرخون والرحالة في وصف قصر الزهراء ، فقال المقرى : « 4 » « إنه لم يبق مثله في الإسلام البتة . . . ولو لم يكن فيه إلا السطح الممرد المشرف على الروضة ، المباهى بمجلس الذهب والقبة . وعجائب ما تضمنته من إتقان الصنعة وفخامة الهمة ، وحسن
--> ( 1 ) المقرى : نفح الطيب ج 1 ص 250 ، 256 . ( 2 ) وقد جلب من الشام وقيل من القسطنطينية . ( 3 ) المقرى : أزهار الرياض ج 2 ص 270 - 271 ، نفح الطيب ج 1 ص 270 . ( 4 ) أزهار الرياض ج 2 ص 267 - 268 ، نفح الطيب ج 1 ص 268 - 269 .